ابن كثير
468
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
رحمه اللّه . وقال مجاهد وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ من هذه الدنيا من مال وزهرة وأهل ، وروي نحوه عن ابن عمر وابن عباس والربيع بن أنس رضي اللّه عنهم ، وهو قول البخاري وجماعه ، والصحيح أنه لا منافاة بين القولين ، فإنه قد حيل بينهم وبين شهواتهم في الدنيا وبين ما طلبوه في الآخرة فمنعوا منه . وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا أثرا غريبا عجيبا جدا فنذكره بطوله ، فإنه قال : حدثنا محمد بن يحيى حدثنا بشر بن حجر السامي ، حدثنا علي بن منصور الأنباري عن الشرقي بن قطامي عن سعد بن طريف عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قول اللّه عز وجل : وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ إلى آخر الآية ، قال : كان رجل من بني إسرائيل فاتحا أي فتح اللّه تعالى له مالا ، فمات فورثه ابن له تافه أي فاسد ، فكان يعمل في مال اللّه تعالى بمعاصي اللّه تعالى عز وجل ، فلما رأى ذلك أخوات أبيه ، أتوا الفتى فعذلوه ولاموه ، فضجر الفتى فباع عقاره بصامت « 1 » ، ثم رحل فأتى عينا ثجاجة « 2 » فسرح فيها ماله وابتنى قصرا ، فبينما هو ذات يوم جالس إذ حملت عليه ريح بامرأة من أحسن الناس وجها وأطيبهم أرجا ، أي ريحا ، فقالت : من أنت يا عبد اللّه ؟ فقال : أنا امرؤ من بني إسرائيل ، قالت : فلك هذا القصر وهذا المال ؟ فقال : نعم . قالت : فهل لك من زوجة ؟ قال : لا . قالت : فكيف يهنيك العيش ولا زوجة لك ؟ قال : قد كان ذاك ، قال : فهل لك من بعل ؟ قالت : لا ، قال : فهل لك إلا أن أتزوجك ؟ قالت : إني امرأة منك على مسيرة ميل ، فإذا كان الغد فتزود زاد يوم وائتني ، وإن رأيت في طريقك هولا فلا يهولنك ، فلما كان من الغد تزود زاد يوم وانطلق ، فانتهى إلى قصر فقرع رتاجه « 3 » ، فخرج إليه شاب من أحسن الناس وجها وأطيبهم أرجا ، أي ريحا ، فقال : من أنت يا عبد اللّه ؟ فقال : أنا الإسرائيلي ، قال : فما حاجتك ؟ قال : دعتني صاحبة القصر إلى نفسها ، قال : صدقت ، قال : فهل رأيت في الطريق هولا ؟ قال : نعم ولولا أنها أخبرتني أن لا بأس علي لهالني الذي رأيت ، قال : ما رأيت ؟ قال : أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بكلبة فاتحة فاها ، ففزعت فوثبت فإذا أنا من ورائها ، وإذا جراؤها ينبحن في بطنها ، فقال له الشاب : لست تدرك هذا ، هذا يكون في آخر الزمان يقاعد الغلام المشيخة في مجلسهم ويسرهم حديثه . قال : ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بمائة عنز حفّل « 4 » ، وإذا فيها جدي يمصها ، فإذا أتى عليها وظن أنه لم يترك شيئا فتح فاه يلتمس الزيادة ، فقال : لست تدرك هذا ، هذا يكون
--> ( 1 ) الصامت : أي الذهب والفضة ، خلاف الناطق وهو الحيوان . ( 2 ) عين ثجاجة : أي عين يسيل عنها الماء سيلا . ( 3 ) الرتاج : الباب العظيم . ( 4 ) عنز حفّل : أي كثيرة اللبن .